موسوعة الادب العربي في خوزستان

TPL_KH_LANG_KH_MOBILE_DESKTOP TPL_KH_LANG_KH_MOBILE_REGISTER TPL_KH_LANG_KH_MOBILE_LOGIN

بحث في إمکان ترجمة الشّعر

حسين عباسي

الکاتب: حسین عباسي

باحث ایراني

نوع الشهادة العلمية : شهادة الماجيستر فرع ترجمة اللغة العربية

من جامعة : اصفهان

عنوان المقال: بحث في إمکان ترجمة الشّعر

بحث في إمکان ترجمة الشّعر

الباحث الإیراني: حسین عباسي

التمهيد:

لقد تفاقمت الصّراعات حول مفردة "الترجمة" ومفهومها وجذورها واستراتيجياتها ومنهجياتها منذ اندلاعها وصيرورتها، فکثُر فيها البحث، والنقد، والتنظير، وتضارب الآراء؛ مِن منکرٍ لجدواها، ومؤيد وقائل بجوازها، بل ضرورتها. ولم تزل هذه الخلافات مسيطرة علی الترجمة والمترجمين، بل اتّسعت دائرة الخلافات فأَمسَت متعمّقةً أکثر فأکثر، لاسيّما في ترجمة الشعر وإمکانه وعدم إمکانه، وکلّ يدلي برأيه ويأتي بأدلّته. ونظراً لما سننقله عن فحول الخبراء والمترجمين المتضلّعين، والأمثلة والنماذج التي ذکرها منکرو ترجمة الشعر ومستنکروها أنفسهم، ليس هناک نصٌ شعريّ لا يترجَم، لأنّ الترجمة علمٌ وفن، والمترجِم مَن يستعين بهذا العلم لتنفيذ عملية الترجمة.

إنّ الترجمة بما تحتوي عليها هذه المفردة من معان، هي من أقدم وأنجع الطُرق للتواصل الحضاري، والحوار بين الثقافات. ولم تتوقف هذه العملية الثقافية يوماً، اذ لولاها لما تعرّفت الشعوب علی غيرها، بل علی ماضيها وبالتالي نفسها.

کان بين إيران والعرب، صلات ومواصَلات منذ عصور، وللباحث أن يری ما أخذه العرب من کنوز فارس في العصر الجاهلي إلی يومنا هذا، وما عثر عليه الفرس في معادن العرب، فعکسوه في شعرهم ونثرهم وکسوه رداء ثقافتهم. والقرآن الکريم، خير شاهد علی ما نقول، إذ نجد فيه أکثر من عشرين مفردة فارسية – کما ذکر آرتور جفري - دخلت إلی اللغة العربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومِن ثمّ وردت في القرآن، وهو المنزل بلسان عربي مبين. والملفت للنّظر، أنّ العرب والأعراب آنذاک، لم يستفسروا من رسول الله حول هذه المفردات الفارسية ولم يطلبوا منه معناها وتفسيرها أو ما تهدف إليها في فحواها؛ إذ کانوا يعُونها ويعرفونها حقَّ المعرفة، أي کانت هذه المفردات قد دخلت معاشهم ولغتهم قبل نزول القرآن الکريم.

لاشک أنّ ما دخل من الثقافة الفارسية في لغة الضّاد، وما تسرّب إلی العربية من الفارسية (البهلوية وغيرها) إنّما دخل عبر العلاقات التي آلت إلی ضرورة الترجمة في تلک الأجواء والبقاع.

إنّ البحث في هذا المقال، يدخل في نطاق الترجمة وما علی مترجم الشعر أن يسلکه ويتسلّح به قبل الخوض في مشروع الترجمة؛ من خصائص عامة وأُخری خاصة تنحصر في مترجِم الشعر.

العلاقات الثقافية الإيرانية – العربية:

إنّ العلاقة مع "الآخَر"، قبل أن تتکوّن معه، عليها أن تنعقد بين بني جلدة واحدة؛ بعبارة ثانية، لو لا يحسّ أبناء وبنات لغة واحدة بضرورة الحوار مع أنفسهم رغم کلِّ الصعوبات، لما تصل مرحلةُ التحدّث والحوار مع الآخر. والحوار مع الآخَر، هو ضرورة بشرية ولغوية لأن «ليست هناک لغة حية وحيوية تجيب عن جميع أسئلة الناطقين بها وترفع حاجاتهم في الحوار، وتستغني في نفس الوقت عن اللغات الأخری، وتبتعد عن مشروع الأخذ والعطاء اللغويين؛ أي لا تعتني بالعلاقات الإجتماعية والحضارية» (جفري، ۱۱).

کانت العرب قبل نزول القرآن علی شکل شعوب وقبائل لکلّ منها لهجتها - وعند البعض لسانها - لکنّ اختلاف اللهجات لم يبعدهم عن أنفسهم، فکانت هناک لغة شبه رسمية معترَف بها من قِبل المثقفين والتّجار، يُتعامل ويُحکی بها، فلذا نری خطب الجاهليين وأشعارهم، قيلت وأنشدت بلغة قريش ومَهّدت لنزول القرآن، فکان القرآن همزة وصلٍ ألّفَ بين القلوب، بأثره البالغ علی نفوس العرب.

وبعد توسّع الثقافة العربية عبر القرآن، ودخوله بلاد فارس وإيران، أمست العلاقات أشد وأوثق، فکان من يريدُ تعلّم القرآن، ينصرف إلی تعلم اللغة العربية في دستورها القرشي.

لم تختلف إيران عن باقي بلدان العالم وثقافاتها وحضاراتها، بل کانت هي الأُخري «تضمّ تحت جناحيها لغات أخری غير إيرانية؛ کالسّريانية والخوزية (من المحتمَل أنّها من بقايا العيلاميين) والآرامية بلهجات شتّی، والبهلوية والدرية، بلهجات فارسية متعددة من سغدية وخوارزمية» (آذرنوش، ۱۴).

کان الجسر الثقافي والحواري ممتدّاً بين العرب والإيرانيين، واکتمل هذا التواصل بعد اعتناق الشعوب غير العربية للإسلام واتساع دائرة البلاد الإسلامية، فکلُّ من کتب وأنشد وخطب وتاجر وقام بمعاملة تحتاج إلی طرفين - أحدُهما إيراني والآخَر عربي - کان عليه أن يجيد اللغتين أو يستعين بمترجم (تُرجمان)، فصار للمترجمين دور هامّ وعامّ لا يُنکر، لاسيّما في العصر العباسي، حيث قاموا بترجمة الکتب الفارسية والبهلوية إلی العربية.

شهدت الترجمة (ترجمة الکتب والرسائل وغیرها من المکتوب) مراحل مختلفة؛ فتضاءلت أحيانا وشهقت في أحايين أخری، لکنّها استمرت في سيرها حتّی أصحبت عِلما له مکانته بين الدراسات الآکادمية وحظيت بإقبال بالغ الأهميّة، فأخذت حيزاً واسعاً في الدوريات والجرائد والکتب والمواقع الإلکترونية، بسبب أهمية الترجمة ودَور المترجمين.

يَعتبرُ کلٌّ من هولاء المترجمين أنفسهم إحدی عری هذه السلسلة وهذا التواصل الثقافي، فلکلٍّ دَوره في تقريب الإنسان للإنسان وتعرّفه علی عوالم أخری، لو لا الترجمة لما اکتُشفَ کنهُها ولما نُهِل من معينها.

الشعر الفارسي وماهيته وأقسامه:

لم يکن تعريف الشعر وحَدُّه من هاجس المعاصرين وحدَهم، بل ما يسعی إليه الشعراء والنّقاد في ترجمة الشعر اليوم، جاءنا علی أقل تقدير من عصر أرسطاطاليس، لأنّه کان يعتقد هو وأمثاله، لو لم يکن لشيءٍ حدٌّ علميٌ معيّن، فلاسبيل لسبر غوره ونقده والتعرّف علی کنهه ومعرفة قدره. ولأجل ضرورة التعريف، قامت المعاجم اللغوية من عربية وفارسية ولغات أخری، بتبيين مفهوم الشعر وشرح المفردة والتطرّق إلی جذورها وتشعّباتها. ومن هذه التعاريف ما جاء في لسان العرب «الشعر: منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية ... وربّما سموا البيت شعراً ... والجمع أشعار، وقائله شاعر لأنّه يشعر ما لا يشعر غيره أي يعلم» (ابن منظور ، ۲۰۴۴). وهذا التعريف قريب مما عليه المعاجم الفارسيه: «الشعر هو الکلام الموزون، والمقفّی، يعلوه الإحساس والخيال غالباً ؛ چامه؛ ج: أشعار. قيل هناک اختلاف بين "الشعر" و"النظم"، لأنّ الشعر هو الکلام الموزون الذي فيه الخيال فلذا اعتبروا "الشعر المنثور" شعراً، کما أن "النّظم" کلام موزون مقفّی، وهناک نظم غير شعري» (معين، ۲۰۴۸). لکنّ هذه التعاريف المعجمية لاتتجاوز عادة مستوی المعنی اللغوي ولا تعبِّر عن مفهوم الشعر ومعناه في کافة الأدوار والحُقب لأنّ «الشعر وُلد منذ نشأة اللغة، واتسع جنباً إلی جنبها، فأنشده الإنسان البدوي، وأکمل مشروع الإنشاد کلّ أبناء الأمم والحضارات وبناتها، والشعر ليس حکراً علی مجتمع دون آخر» (پرين، ۱۱).

يری الباحث في مجال الشعر، أن کلَّ ما قيل في تعريف الشعر، راجع إلی زمن محدّد ومکانٍ معين، أي أنّ للزمان والمکان (الزمکان) دوراً هامّا في تعريف الشعر. وإلی هذا المعني أشار أحمد شاملو، بعد تجربة طويلة في إنشاد الشعر وترجمته: «بذلتُ قصاري جهدي أن أعرّف مفهوم الشعر لکنّ الجواب عندي الآن "إنّ حدَّ کلِّ ظاهرة منوط بزمانها ومکانها" والسّلام! علينا أن لا نطلب تفسيراً وحدّاً لشيءٍ هو في تغيير وتبدّل دائم.» (حريري، ۱۹)

لکن علی أية حال، علی الباحث أن يأتي بإطارٍ – ولو نظري بحت – للشعر وحدوده وأقسامه وانقساماته، وبما أنّ البحث يدور حول الشعر المعاصر، علينا أن نشير إلی التقسيمات الموجودة والمعترَف بها أکثر من غيرها، في الشعر الفارسي وأقسامه.

يقسّم الأدباء الإیرانیون الشعرَ الفارسيَ إلی قديم وحديث؛ والقديم عندهم «ما عُثر عليه قبل العهد الساماني (۲۶۱ – ۳۸۹ ه.ق/۸۷۵ – ۹۹۹ م) حيث جاوز آنذاک طورَ طفولته وبداياته، وأصبح يافعاً خصباً ومثمراً، وإن لم يبق منه سوی نزر يسير.لکن للمتابع أن يجد فيه أسماءً متألقة أنشدت الشعر ونظمته» (آربري، ۶۶) وهذا هو بداية الشعر الفارسي المسمّی ﺑ "القديم" أو "الکلاسيکي" أو"التقليدي" وهو نتاج عصره، معبّر عن أوضاعه السياسية والإجتماعية، بل عن أحاسيس الشاعر والناظم ومشاعره تجاه مجتمعه وآراء جيله وآلامه وآماله وقضاياه، امتدّ هذا النمط حتّی ظهر الشعر الحديث (الحُرّ وقصيدة النثر) علی يد نيما وأتباعه و«يميل بعض مؤرخي الأدب الفارسي إلی إطلاق مصطلح "عصر الشعر النيمائي" – نسبة إلی الشاعر نيما يوشيج [ ۱۲۷۴ – ۱۳۳۸ ه.ش] – علی الفترة التي حدث فيها نوع من التّجديد والتّحديث في الشعر الفارسي في العصر الحديث، والمعروف أنّ فترة الصحوة الأدبية التي سبقت هذه الفترة، وکذلک الحرکة النيابية والتطورات الاجتماعية والثقافية، قد مهّدت السبيل أمام الشعراء للتعبير عما يدور في مجتمعهم.» (عبدالمنعم، ۱۷)

لم يکن الشعر النيمائي وليدَ ليلة وضحاها، بل هناک أمور ومراحل وأشخاص وأحداث - وفي مراحل زمنية معينة - ترکت بصماتها علی الشعر والشاعر، فأنجب نيما أشعاره الحرّة، ورافقه أتباعه. ولهذه الفترة ميزات، وظهرت فيها تيارات، تخطّت الأُطر القديمة والسائدة آنذاک؛ من أهمها تواجد المرأة الإيرانية في العرصات الاجتماعية والثقافية ولاسيما في مجال الشعر، فمارست المرأة حريتها في فضاء يختلف عما کانت عليه أمُّها. ومن هذه النسوة اللآئي دخلن الساحة وتألّقن وحظين بمکانة سامية "فروغ فرخزاد" التي تُعتَبر إحدی أفضل أتباع مدرسة نيما، وإن «لم تمتد فرصة الحياة بالشاعرة فرخزاد أکثر من اثنين وثلاثين عاما، کان عليها خلالها أن تستوعب التراث الممتد للشعر الفارسي الکلاسيکي، وقصائد کبار شعرائه ودواوينهم، مثل سعدي، وحافظ، وآخرين، وأن تتفاعل مع الشعر الحديث والمعاصر، وبخاصة أشعار رائد الشعر الفارسي "نيما يوشيج" ومن رافقتهم "فروغ" من کبار الشعراء الإيرانيين المعاصرين، مثل "أحمد شاملو" و"سهراب سپهري" و" مهدي أخوان ثالث" وغيرهم ممن قادوا هذا التجديد، وأثروه بقصائدهم ودواوينهم ونقدهم.» (فرخزاد، ۶)

کان نيما وهولاء الأربع؛ أتباعه وأنصاره، يعرفون الشّعر الکلاسيکي حقَّ المعرفة، وأنشدوا في أوزانه وقوافيه، ومن ثَمَّ انتقلوا إلی الشعر النيمائي (الحر / التفعيلة)، ومن بطن هولاء الشعراء، خرج آخر أنماط الشعر الفارسي وهو الشعر المنثور في ديوانٍ «لأحمد شاملو عام ۱۳۲۶ ش (۱۹۷۴ م) يحمل عنوان "آهنگ هاي فراموش شده" (الأغاني المنسية). وتری في هذه المجموعة أشعارا بدون وزن أو قافية، وهي التي سُميت بعد ذلک باسم "الشعر المنثور" أو "الشعر الأبيض" وهو الذي يسمّی بالفارسية (شعر سپيد). وترجع أهمية هذه المجموعة إلی أنّها تحتوي علی أوّل نماذج من الشعر الأبيض في الشعر الفارسي.» (عبدالمنعم، ۳۴)

وهناک نظم وشعر و«إنّ الخيال هو الحجر الأساس في الشعر، وجوهره» (شفيعي کدکني، ۹)، وهذا ما يميزه عن النظم الفارغ من الخيال والتصاوير، کما يمّيز الشعر المنثور عن النثر.

الترجمة ومعناها:

شغلت مفردة "الترجمة" وما يشتق من فعلها الرباعي، أذهان أرباب النظر وأصحاب الفکر؛ فمنهم من قال أنّها فارسية أصلُها "تر زبان"(اللبِق والمفوّه)؛ ومنهم من ظنّها عربية؛ وهناک من أرجع جذورها إلی (dragoman) وهو أقرب معنی لما ورد في المعاجم العربية: «الترجمان کعنفوان، وزعفران، وريهقان، المفسر للسانٍ» (الفيروزآبادي، ۱۱۴). وامتدت الصراعات حول المفردة في استخدامها عبر العصور وتواجدها في معناها المستخدَم حالياً «لأنّ مفردة الترجمة لم تُستخدم في القرن الرابع في المعني الذي نستعمله الآن، بل کانوا مجبولين علی استخدام مفردة التفسير بدلها» (آذرنوش، ۲۵۷) لکن هذا الرأي لم يبدُ مقبولاً، فهناک من يخالفه، ولنا أن نأتي بمثال من شعر أبي الطيب المتنبي (۳۰۳-۳۵۴ ه.ق) «عندما مرّ المتنبي بأرّجان، وجد نفسه ولغته أجنبيين، فأنشد في حسرة:

معاني الشِعب طيباً في المغاني بمنزلة الربيع مِن الزّمان

ولکنّ الفتی العربيّ فيها غريب الوجه واليد واللسان

ملاعب جنة لو سار فيها سليمانٌ لسار بترجمان

(محمدي، ۵۵ - ۵۶)

ومهما يکن الأمر، فإنّ الترجمة هي الشرح والإيضاح والإفصاح عن الکلام و«ترجم الکلام: بيّنه ووضّحه. وترجم کلام غيره، وعنه: نقله من لغة إلی أخري ... والترجمان: المترجِم. ج: تَراجِم و تراجمة» (أنيس وآخرون، ۸۳).کما جاءت هذه المفردة الأخيرة (ترجمان)، في الأحاديث، ذکرها صاحب لسان العرب: «التُرجمان والتَرجمان: المفسّر للّسان. وفي حديث هِرَقلَ: قال لترجمانه.» (ابن منظور، ۴۲۴)

وفي رأیی، قد يصدق إطلاق عنوان الترجمة علی نَقل ما کُتب وأُنشد بلغة سابقاً إلی نفس اللغة لاحقاً، لأنّ اللغات في تبدّل وتطوّر دائمين، وبين فترة وأخری، تتغير المشاهد والمعاني والإستعارات، وإيحائات المفردات، بحيث لا يفهمها الناطقون بها؛ فمن الحقّ تسمية بعض ما يُعرف بالإقتباس "ترجمة"، لأنّ المقتبِس يأتي بما أخذه عن غيره في نفس الأسلوب، ويهدف منه نفس المراد، وبنفس المفردات أحياناً، وکلّ ذلک من أجل نقل معنی کان سائدا في جیل غابر لجیل لاحق .

آراء ووجهات نظر في ترجمة الشعر:

لقد تسرب اختلاف الأدباء والشعراء والناقدون في الشعر وماهيته ومعناه، إلی ترجمة الشعر وجواز ترجمته أو عدمه، فمنذ القديم قال صاحب کتاب الحيوان: «وقد نُقلت کتب الهند وتُرجمت حکم اليونانية وحُوّلت آداب الفرس فبعضها ازداد حُسناً وبعضها ما انتقص شيئا، ولو حُوّلت حکمة العرب لبطل ذلک المعجز الذي هو الوزن» (الجاحظ، ۳۸). ولا شک أنّه لا يقصد من "الحکمة" سوی "الشعر"، فالشّعر ديوان العرب، به بَنوا صروحهم وحضارتَهم، وبه حافظوا علی تراثهم. ونجد هذا الرأي بنفسه - إما ضمنيا مبطَّنا وإما بالتّصريح - عند الکثير من ذوي الخبرة وأرباب الرأي في الترجمة، نأتي هنا بآراء بعضهم؛ مِن قائل بعدم إمکان ترجمة الشعر وذهاب نکهته وروحه بعد الترجمة، ومن يعطي المترجِم منهجية وأسلوبا لترجمة الشعر ويضرب من جميل الشعر المترجَم أمثالاً کثيرة.

هناک من يری «قراءة الشعر عبر الترجمة،کتقبيل امرأة من خلف الحجاب» (کامشاد، ۹۴) ومِن قائلٍ يأتينا بنماذج رائعة من ترجمة الشعر، لکنّه يعُدّه من باب النوادر، وعنده النّادر کالمعدوم. هذا هو بالتّحديد رأي صالح حسيني حيث يقول: «إنّ ترجمة فيتز جيرالد لرباعيات الخيام في ذروة الروعة وقمّة الجمال، وإن کان جيرالد لا يکترث بآراء علماء اللّسانيات ... ولکن هل لنا أن نعتبر ترجمته غير أمينة! وسعدي أيضا - الشاعر الذي کان يقرء القرآن ويفهمه وکان أستاذاً في اللغة – ترجم هذه الآية "نحن أقرب إليه من حبل الوريد" [ق: ۱۶] شعراً:

دوست، نزديک تر از من به من است وين عجب تر، که من از وي دورم

چه کنم با که توان گفت که او در کنارِ من و من مهجورم

کما ترجم حافظ، الذي کان يتلو القرآن علی أربع عشرة رواية، ترجم "ظلوماً جهولاً" [إنّا عرضنا الأمانة علی السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنه وأشفقن منها وحمله الإنسان إنه کان ظلوما جهولا. الأحزاب: ۷۲] في بيت من الشعر، فأنشد قائلاً:

آسمان بارِ امانت نتوانست کشيد قرعه‌ي فال به نامِ منِ ديوانه زدند

فأصبحت العبارة القرآنية عنده "ديوانه" (المجنون)، فهل لنا أن نقول بأنّ سعدي وحافظ قد تخطّا الأصول والموازين في ترجمة القرآن؟» (حسيني، ۱۳۹) لکنّه يتابع کلامه في صفحات کتابه ويضيف: «نستنبج مما أسلفناه أوّلا: من المحال أن يترجِم أحدٌ قصائد شعراء کبار أمثال حافظ وشکسبير، ولو أتی مترجم بهذا المحال وعمله، فالعمل في نهاية الصعوبة؛ وثانياً، علی المترجم أن يفقه أصول الترجمة وموازينها لکن عليه أن يعلم بأنّ هذه الأصول لا تفيدُه قيدَ أنملة ... ومن العبث ترجمة الشعر ... لأن لا فکاکَ بين صورة الشعر ومحتواه وکلاهما يتغيران لدی الترجمة وتذهب المظاهر الساحرة للشعر ... علينا أن نعترف بأن قصائد حافظ لا تُترجَم، کما هو حال شعر "شلي" وکلِّ عباقرة الشعراء. وإن کان بين فينة وأُخری، نعثر علی ترجمة شعر فيه بعض نکهة شعر لغة المصدر، وهذا من باب النادر، والنادر کالمعدوم» (المصدر نفسه، ۱۴۳، ۱۴۹، ۲۰۴، ۲۰۶).

لم يکن حسيني مبدع هذا الرأي أو المصرّح الوحيد به والهاتف بعدم إمکان ترجمة الشعر، بل هناک آراء تشبه وجهة نظره وتنصرها، وهذا رأي "غريغوري راباسا": «نسخة الترجمة فرع لا يشبه الأصل، بل انّها اجتياز من لغة إلی أخری وهذا ما يستشمّ من المفردة اللاتينية للترجمة ... والمترجِم يأمل أن لا ينقص مسألة هامة من نص المصدر، لا أکثر. وهذا الأمر، هو الذي يجعل من الشعر نصاً لا يُترجَم. وبعبارة أدقّ، يعلن عدم إمکان إعادة صياغة الشعر في لغة الهدف ... هذا هو بالضبط رأي "رابرت فراست" حيث اعتبر ترجمة الشعر معيار الترجمة وحجرَ المِحَک لها وقال: إنّ الشعر هو ما لا يُترجم» (راباسا، ۳۰). لا شک أن يعتبر ه‍ؤلاء الذين مرّ ذکرهم، وَحَدة الترجمة هي "المفردة"، لکن لا يشاطرهم الرأي من يعتبر "الخطاب" (Discours) وحدة الترجمة، أمثال صلح جو. ويضرب هذا الأخير مثالاً مشهورا للترجمة وقضية الأمانة فيها: «قد أشار کلُّ من جرب تعليم الأدب الإنجليزي خارج البلدان الأروبية ولاسيّما في المملکة السعودية، أشار إلی قضية في قصائد شکسبير حين أنشد:

"Shall I compare thee to a summers day"

حيث يصف فيها الشاعر عشيقته بيوم صيفي ساخن، يصعب استيعابه لعرب المملکة السعودية، لکنّه مشهد رائع لدی الإنجليزيين الذين يقطنون في بلد سحابي الجوّ شديد البرودة، حيث الحرّ عندهم نادر وجميل، لکن هذه الصورة لا تروق العربي الذي يحلم بهطول قطرة مطر وقطعة ظلّ يستظل بها ... بعبارة أخری أنّ العربي لا يری جمالاً في هذا المشهد، والقضية راجعة إلی الإختلاف في الخطابات» (صلح جو، ۳۵- ۳۶)، لکنّ هذا الکاتب عندما يصل إلی مرحلة ترجمة الشعر يهتف بشعار عدم إمکانه «لأنّه يحتوي علی دقائق صوتية وفونمية لا تُترجَم. کما أنّ هناک نصوصا ﮐ "چرند و پرند " ﻟ " دهخدا"، هي النموذج الأمثل للاترجمية الشعر» (المصدر نفسه، ۷۲)، ويتابع قائلا: «علی المترجم أن يحذو حذو ما فعله فيتز جيرالد برباعيات الخيام، و"کريم مشروطه چي" بشعر "حيدر بابايه سلام" ﻟ "[محمدحسین] شهريار" والظاهر أنّه لا طريق لنا سوی خلق نص جديد (Transcreation)» (المصدر نفسه، ۷۴-۷۵). ولا يجوز الإفراط أو التفريط في الثوب الجديد لنص لغة المصدر لتصبح مثلاً «تراجيديا رومئو وجوليت لشکسبير شبيهة ﺑ "ليلي ومجنون" للعطار النيشابوري» (المصدر نفسه، ۸۵). ويدلنا الکاتب علی منهجية وإطار يعين المترجم: «إنّ أفضل ترجمة ﻟ "هاملت" من الإنجليزية إلی الفارسية عليها أن تکون کما لو کتب شکسبير نفسه، تلک المسرحية باللغة الفارسية» (المصدر نفسه).

وهناک أمثلة أخری للترجمة الأمينة والمقبولة، لو قام بجمعها الباحث جنبا لجنب، لدرئ شُبهةَ عدم إمکان الترجمة، منها ما نقله "فروزانفر" عن "اديب صابر" و أسماه هذا الأخير ترجمة:

«ديگران در مال و نعمت کسب کردن مايلند او به نام نيک و نعمت بذل کردن مايل است

والظاهر أنّها ترجمة لهذا البيت من شعر العرب:

عَشِق المکارمَ فهو مشغولٌ بها والمکرمات قليلة العشاقِ» (فروزانفر، ۲۴۱).

«وکما تأثر سعدي الشيرازي بأبي الطيب المتنبي ... واقتبس الکثير منه:

وإذا کانت النفوسُ کباراً تعِبت في مُرادها الأجسامُ

جانِ شيرين که رنج کش باشد تن مسکين چگونه خوش باشد

کفی بجسمي نحولاً أنّني رجلٌ لولا محادثتي ايّاک لم تَرني

گويي بدن ضعيف سعدي نقشي است گرفته از ميانت

گر واسطه ي سخن نبودي در وهم نيامدي دهانت

وأسمعُ من ألفاظه اللغة التي يلذُّ بها سمعي وإن ضُمِّنَت شتمي

که دشنام از لبِ لعلت به شيرين تر دعا ماند

إنّ النفيسَ نفيسٌ حيثما کانا

جوهر اگر در خَلاب افتد، همچنان نفيس است.» (اسوار، ۲۳ - ۲۷)

لم يکن سعدي الشيرازي المقتبِس الوحيد من المتنبّي والمترجِم لبعض الأبيات من قصائده وأشعاره، بل کان المتنبي هو الآخر، قد أخذ من عيون قصائد العرب، وقام بترجمتها حسب الزمان والمکان، حين أخذ من دعبل الخزاعي (۱۴۸ – ۲۴۶ ه.ق/۷۶۵ – ۸۶۰ م):

ولستُ أرجو انتصافاً منک ما ذَرَفَتْ عينٌ دموعاً وأنتَ الخصمُ والحکمُ

يا أعدل النّاس إلّا في معاملتي فيک الخصام وأنت الخصمُ والحَکَمُ

ومن ابن الرومي (۲۲۱ – ۲۸۳ ه.ق/۸۳۵ – ۸۹۶ م)

غدا الدهر لي خصماً وفيّ محکّماً فکيف بخصمٍ ضالعٍ وهو يحکمُ» (فروزانفر، ۲۵۹)

فأخذ سعدي من تصاویر شعر المتنبي وترجمها، فأنشد:

هر چه کني تو بر حقي، حاکم و دست مطلقي پيشِ که داوري برند از تو که خصم و داوري

إنّ الترجمة کما أسلفنا، تحصل في نفس اللغة الواحدة، أي منها وإليها، لأنّ الزمان والمکان وغيرهما من السياقات، کاللغة السائدة، وتحوّل المفردات وتبدّلاتها، کلّ هذه الأمور تحثّ الشاعر علی أن يقوم بترجمة ما قاله بنو جلدته، مراعياً الفضاءات المسيطرة علی النّص والنّاس، معيداً صياغَتها في ثوب حديث وأسلوب جديد، وهذا ما فعله کبارُ الشعراء من فرس وعرب؛ أي أنّهم ترجموا أهمَّ ما جاء علی لسان غيرهم بلغة عصرهم. قال منوچهري دامغاني شاعر القرن الخامس للهجرة:

«جرعه بر خاک همي ريزيم از جام شراب جرعه بر خاک همی ريزند مردان اديب

با جوانمردي بسيار بُود چون نبُود خاک را از قدح مردِ جوانمرد نصيب

وهذا المشهد ترجمه حافظ الشيرازي ببيت واحد:

اگر شراب خوري جرعه اي فشان بر خاک از آن گناه که نفعی رسد به غير چه باک

وکلاهما من هذا البيت:

شربنا وأهرقنا علی الأرض فضله وللأرضِ من کأسِ الکرامِ نصيبُ» (المصدر نفسه، ۷۶ – ۷۷).

ولکن للترجمة أثر علی المفردات والنحو، وإن کانت في نفس اللغة؛ منها وإليها، أو إلی لغة أخری، کما في ترجمة بنت العِنَب وابنة الکرم وابنة العنقود:

«ابن المعتز: علالي به صوتُ نايٍ وعود والقياني دمُ ابنةِ العنقود

خاقاني: مرا سجدگه، بيتِ بنتُ العِنب بِه که از بيتِ أمّ القُری مي گريزم

حافظ: دوستان، دختر رز توبه زِ مستوری کرد شد سوی محتسب و کار به دستوری کرد

» (فرشيد¬ورد، ۱۱-۱۲).

إنّ هذا الأخذ والإقتباس والعطاء والترجمة حسب طقوس لغة الهدف نراه جلياً في ترجمة لامية العجم للطغرائي الأصفهاني في نسختها الفارسية علی يد "محمد آبادي باويل"، راعی فيها الشکل المنظوم للقصيدة، فترجم المنظوم بالمنظوم، وحافظ علی روح القصیدة والمفردات الرئيسية والمشاهد الهامّة، وکأنّه أنشد لاميةً بلغة بني فارس – وإن اختلفت في الرويّ - ولذا نالت الترجمة إعجاب الکثيرين، حتّی قيل «إنّها في قمة الإبداع والبلاغة» (دامادي، ۲۲۸) نأتي بأصل بعض الأبیات والبدل من الأصل:

أصالةُ الرأي صانتني عن الخطل ِ وحِليةُ الفضل زانتني لدی العطلِ

رای ستوارم نگه دارد ز حرف سرسری زيور فضلم بيارايد گهِ بی زيوری

فيما الإقامةُ بالزوراء لا سکني بها ولا ناقتي فيها ولا جملي

کی توان بی خانمان آسود؟ در بغداد از آنک نيست ما را اشتری آن جا نه ماده نه نری

أعلّلُ النّفس بالآمالِ أرقبها ما اضيقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأملِ

نفس خود را می فريبم با فراوان آرزو تنگ بودی زندگي بی آرزويي سرسري

قد رشحّوک لأمرٍ لو فطنتَ له فاربأ بنفسکِ أن ترعی مع الهملِ

گر بداني بهر کاري بس بزرگت ساختند نفس خود برتر شمار از اين که با دونان چري

وأخيرا نذکر رأي صفوي وهو الذي يعتبر «حريات المترجِم اکثر من محدودياته» (صفوي، ۴۶) «وعلی المترجم أن يجدَ حلّاً لقضية عدم إمکان الترجمة وذلک بتجاوز الترجمة المعنوية إلی الترجمة التبادلية، أي علينا أن نتقرّب إلی المخاطب في لغة الهدف مهما أمکن» (المصدر نفسه، ۶۷- ۶۸).

منهج البحث في ترجمة الشعر:

إنّ بين مترجِم الشعر وغيره من المترجمين عموماً وخصوصاً من وجه، فإنّهما يتفقان في الأصول العامّة التي علی کلّ مترجم أن يستعين بها لدی النقل من لغة المصدر إلی لغة الهدف، ويختلفان في کيفية تعاملهما مع النّص؛ فالنّص الشعري يختلف عن نصوص الکتب المقدّسة، کما أنّ هناک نصاً علميا بحتا، يختلف عنهما، إذ لا يحتاج إلا إلی النقل، اللّهم إلّا اذا کانت هناک أمثلة لا يعيها قارئ لغة المقصد، وإلّا فالتّرجمة الحرفية ههنا تُغني وتُسمن، لا حاجة للمترجم أن يکون مُلمّا بموضوعها، کما عليه لزاماً في ترجمة الشعر ونقل الخيال من لغة للغة. فنقول باختصار إنّ مترجم الشعر لا بدَّ وأن يکون شاعراً بإحدي اللغتين المنقول منها أو المنقول إليها ولذا أطلق الباحث عليه اسم " الشاعر- المترجِم"، وذلک لما يأتي أدناه. ولهذا "الشاعر- المترجم" خصائص لإکمال مشروع الترجمة علی أحسن شکل وأدقّ صورة، حتّی يصبح وکما قيل، کأنّ شاعر لغة المصدر قد أنشد قصيدته بلغة الهدف مرة ثانية.

تلخّص هذه الخصائص- وبعضها تشمل کلّ المترجمين – في سبع:

۱ – امتلاک الحسّ الشعري:

من الضروري أن يکون مترجم الشعر شاعراً ومنشِداً بإحدي اللغتين المصدر والهدف، وأن يکون عارفاً بدقائق الشِّعر والأوزان والأفاعيل العروضية والقوافي والإيقاع والنبرات ولغة الشعر العصرية والتقليدية. وهذا ما نراه جليا عندما ترجم شاعرٌ ﻛ " أحمد شاملو" ﻟ " بابلو نرودا" و" لورکا" و"لنکستن هيوز" «لأنّ الشعر عليه أن يعبرَ من خلال فلتر ذهن الشاعر ويلبس ثوبا آخر، بل يجلس في واحة لغة الهدف وکانّما أُنشد بها وخُلق فيها» (حريري، ۱۱۸).

وهذا هو رأي خانلري في ترجمة الشعر: «علينا أن نراعي موسيقا الشعر في الموزون المقفّی، وليس بوسعنا أن ننقل هذه الموسيقا من لغة لأخری إلّا إذا کانت أصول اللغتين - المصدر والهدف - قريبة من الأخری... ولأجل حصول هذا الهدف، علی المترجم أن يکون شاعرا» (پارسي پور، ۷۴). فعلی مترجم الشعر أن لا يخرج – حدَّ الإمکان- عن الإطار الشعري المنقول منه؛ فلا بُدَّ أن يترجم الشعر الموزون الفارسي (التقليدي / الکلاسيکي) إلی شعر موزون عربي من أوزان الخليل الفراهيدي، والشعر الحرّ الفارسي (شعر نو) إلی مثيله العربي أي التفعيلة، والشعر المنثور الفارسي (شعرِ سپيد) إلی ما يعادله في اللغة العربية وهو القصيدة النثرية؛ بيتا ببيت وسطراً بسطر وشطرا بشطر. وخير مثال للشعر الفارسي الموزون، هو شعر حافظ الشيرازي الذي قام بترجمة أبيات منه، محمد مهدي الجواهري وهو کما يُعرف، من أشهر شعراء العصر الراهن، والذي أنشد جُلَّ شعره في أوزان الخليل الفراهيدي:

«من مَلَک بودم و فردوسِ برين جايم بود آدم آورد در اين ديرِ خراب آبادم

سايه‌ي طوبي و دلجويي حور و لب حوض به هواي سر کوي تو برفت از يادم

»‌ (حافظ شيرازي، ۱۲۲)، فترجم الجواهري البيتين ببيتين موزونين:

«مَلَکا ً کنتُ وفي الفردوس لي کانَ صحاب آدمٌ أخرجني منه إلی هذا الخراب

ظلُّ طُوبی وصفاءُ الحور غيداً والشّراب کلّه مذ هِمت في حبّک عن ذهنيَ غاب

» (الجواهري، ۲۰۳).

إنّ "الشاعر- المترجم" العربي الفذّ، احتفظ بأهم مفردات وتصاوير لغة المصدر وصور منشدها الفذّ، فصاغ الشعر في لغة الهدف علی أحسن تصميم. بحيث صحَّ عليه قول شاملو «شريطة أن تکون هذه الصياغة، حاملة لروح النص الأوّل ونکهته، وکانّما الشاعر نفسه، أنشدها بلغة النص الثاني أي لغة الهدف» (حريري، ۱۱۸).

۲ - الأحاطة بفنون الشعر:

إنّ معرفة لغة الشعر، وتاريخ إنشاد قصيدة ما، وجغرافية إنشادها، واتصالها بأيّ من المذاهب الأدبية، أو انفصالها عنها، والتعرّف علی حقبة الشاعر وجيله ومناصريه ومخالفيه، تقرّب الترجمة إلی ساحة "الأمانة" أکثر فأکثر. ويجب أن تکون هذه المعرفة أعمق مهما أمکن حتّی يتمکن "الشاعر- المترجِم" أن يترجم ويطابق بين شاعرين؛ أحدهما إيراني والآخر عربي، ينتميان لتيار واحد، يشترکان في نزعة واحدة، ويعدّان من مذهب أدبي واحد. وضرورة المطابقة إنّما تأتي لتُساند" الشاعر- المترجِم" حتّی يستعير مثلاً من شعر أدونيس (علي أحمد سعيد) في ترجمته لشعر أحمد شاملو، لأنّهما کانا في آونة واحدة، لهما نفس الرأي في "الله" و"الإنسان" و"الأرض"، ونفس المعاملة تجاه مفاهيم ﻛ "الدّولة" و"الحکومة" و"الديمقراطية"، حتّی «بوسع الباحث أن يقول بأن لشاملو وأدونيس، نفس الانطباعات والاستخدامات للمفردة حين التعبير عن القضايا المصيرية من منظورهم» (عباسي، ۱۳۸۴)

کان لفروغ فرخزاد (۱۹۳۵ – ۱۹۶۷ م)، نفس المصير والمسير الذي سلکه شاملو إلّا أنّها لم تُرزق عمرا ًکثيرا «خاضت الشاعرة من خلال قصائدها وآرائها النقدية، ودواوينها وتحرّرها الإجتماعي، معارک أدبية وفکرية، وانتقدت أوضاع إيران السياسية، وحُوصرت بين النُقاد ورجال الدّين وقوی المحافظة في کلّ مجال» (فرخزاد، ۶) فهل لأحد من المترجمين أن يستعير مفردات تماضر بنت عمرو بن الشريد السلمية (۵۷۵ – ۶۶۴ ه.ق) الملقّبة ﺑ "الخنساء" لترجمة شعر فروغ؟ وهل من المعقول أن يتَرجم الشعر الفارسي لشاعرة معاصرة متحررة والقائلة «أنا إنسان بلا جذور، لا يحفظني سوی الحبّ، ولکن ما فائدة ذلک» (المصدر نفسه، ۵۱) بلغة امرأة من العصر الجاهلي تبرز في جميع قصائدها «في جوّ من الغلو ... تعتمد إلی صيغ المبالغة» (الفاخوري، ۲۹۲). وهل هناک نسبة بين التيارين والمذهبين والفکرين وبالتالي بین الشاعرتین؟

أنشد جبران في منظومة الوحيدة:

«وغيوم النفس تبدو من ثناياها النجوم» (جبران، ۴۱۸).

فهناک من ترجم شعره نثرا، وهو نثر بعيد کلَّ البُعد عن روح شعر جبران، بل لا معنی لنثره في اللغة الفارسية إطلاقا، لأنّ المترجم لم يعِ مفهوم الشعر، ولم يتعرّف علی أيّ مذهب أدبي، ولذا قال: «و ستارگان، از پشتِ تپه¬ی وداعِ عطشِ جان، چشمک مي زنند» (جبران، ۲۶)، ولو کان لهذه الجملة معنی لجِئنا به وللَجَئنا إليه!

وخیر مثال للإحاطة بفنون الشعر ومناخ الشاعر، ما أخرجه فکتور الکک إلی العربية من شعر المولوي:

«من ز سدره منتهى بگذشته ام صد هزاران سال آن سو رفته ام

تازيانه بر زدى اسمم بگشت گنبدی کرد و ز گردون برگذشت

محرم لاهوت ما ناسوت باد آفرین بر دست و بر بازوت باد

حال من اکنون برون از گفتن است آنچه می گویم نه احوال من است!

من سدرة المنتهى جاوزت أفلاکا قرناً بقرن طويت الدهر ذياکا

سوط الرحيم رماني في ذرى فلک بورکت من عضد يمناک مرماکا

قد حال ناسوتنا لاهوت معرفة لا تجتليه عيون الإنس لولاکا

فالحالُ منيَ أحوال مجنّحة لا النطق يشرحها أو حدس مولاکا

» (أرشدي، ۳۴)

۳ - أن يترجم دون اعتماد لغة وسيطة (عدم الترجمة عن ترجمة):

لا شک أنّ النصَّ المترجَم، لا يبقی علی ما هو عليه في لغة المصدر نحوا وتصاويرا، بل يأخذ طابع نصّ لغة الهدف، اذ يعتريه الحذف والإضافة وهذا هو موجود في طبيعة الشعر والخيال عند تحوّلهما من لغة لأُخری، فعلی المترجم أن لا ينقل نصا نُقل إلی لغة ثانية من قبل؛ أي عليه أن لا يقوم بترجمة نص تُرجم من قبل. ولنا في تکاثر الأخطاء عند ترجمة نصوص مترجَمة مسبقاً، عدّة نماذج نذکر بعضها:

لقد قام "سيروس طاهباز" بترجمة قصائد عربية – حسب ما ذکره في مقدمة کتابه - من اللغة الإنجليزية إلی الفارسية وأسمی المجموعة ﺑ "تپه¬ی آويشن" (تلّ الزعتر). ولأعمال طاهباز مکانة سامية، لاسيما أنّه جمع ودوّن شعر "علي اسفندياري" (نيما يوشيج) رائد الشعر الفارسي الحديث، «لکن طاهباز لم يتعرّف علی اللغة العربية وکان يجيد الإنجليزية، مضافا إلی لغته الفارسية، وکان متضلعاً فيهما» (عباسي، ۱۳۸۲). نجد في مجموعة "تپه¬ي آويشن" عنوانا ملفتا للإنتباه وهو «لبنان من، لبنان تو» (طاهباز، ۱۱۵) أي حرفیّاً: "لبناني ولبنانُک"، جاء تحت هذا العنوان، اسم جبران خليل جبران باعتبار أنّ جبران شاعر تلک السطور، وعندما نُفتِّش عن هذا العنوان في کتب جبران نجده أولاً لم يکن شعرا بل أنّما هو نثر جبراني، وثانيا کان العنوان باللغة العربية «لکم لبنانکم ولي لبناني» (جبران، ۵۸)، لاشک أن جبران أخذه من آخر آية لسورة "الکافرون": ﴿لکم دينکم وليَ دينِ﴾. وليس العجب هو انقلاب النثر إلی الشعر وتغير لون العنوان، بل الملفت للنظر أن قضية فلسطين لم تکن "قضية" زمن جبران حتّی يدخل هذا الشعر - علی زعم طاهباز – في نطاق شعر المقاومة؛ وانقلب النصّ علی يد المترجم الفارسي إلی شعر حماسي يطالب فيه جبران بالمقاومة قبل عقود، وکلّ هذه الأحداث، إنّما جاءت عبر الترجمة من لغة وسيطة، يحقّ للناقد أن يقول: "من ترجمَ المترجَم، حلّت به النّدامة!". لقد قرأ طاهباز، هذا النثر الجبراني باللغة الإنجليزية وأعجبه، فظنّه شعراً، فعنونه من دون مراعاة لغة المصدر وأسباب الصدور والسياق التاريخي وهلمّ جرّا.

وهناک نموذج أعجب منه بکثير، حلّ بشعر أدونيس (علي أحمد سعيد) عندما قام بترجمته مترجم من اللغة الفرنسية إلی الفارسية، ففعل ما فعل بالأشعار والأسماء المتوزعة في قصائد أدونيس - وما أکثرها- نأتي بمثال واحد، لا أکثر. يقول المترجم للغة الفارسية في هامش الصفحة ۱۷۶:

«Dad: حرف مخصوصي در زبان عربي، که غالباً "زبان داد" ناميده مي شود.» (أدونيس، ۱۷)

کان علی المترجم أن يعلم علي الأقل، عدد الحروف وأسماءها وأصواتها في اللغة الفارسية، وأنّها نفس الحروف في اللغة العربية، بل تزيدها أربعة حروف هي (پ، چ، ژ، گ) المعروفة عند الناطقين بالفارسية ﺑ "گچپژ" - لسهولة حفظها- وأن ليس هناک حرف يعرف ﺑ (Dad) لا في الفارسية ولا في اللغة العربية. فلنقُم بترجمة ما قاله في الهامش: "Dad: حرف خاص في اللغة العربية، تسمّی العربية في الأغلب"لغة الدّاد." نعم، انمّا کان مراده "الضّاد" والتسمية المعروفة "لغة الضّاد"!

من الظاهر أنّ کلَّ هموم المترجم وقواه، کانت منصرفة للترجمة، أخضعته بدل أن يخضع هو لغة المصدر، فأمسی ناسياً حروف لغته وأسماءَها!

إنّ الترجمة عن ترجمة، تسبّب عادة أکبر الأخطاء في الترجمة «والرّباعيات التي ترجمها المترجمون العرب عن ترجمة فيتز جيرالد - التي خان فيها الرباعيات الفارسية، وإن تکن خيانة فنّية جميلة في بعضها، بالترجمـه التحويلية أو الحرة أو الحرّة جدا - شاهدٌ عدل علی هذا الضرب من الترجمة الذي لا يمکن الرضی به أو الاطمئنان إليه، لما فيه من نقصٍ وقصور وخلط وتخوّن» (بکّار، ۸۷ - ۸۸).

۴ - الترجمة المزدوجة:

للترجمة إستراتيجيتان «الأولی محض لسانية وحرفية تعطي الأولوية للکلمة وللسياق الضيق، کما تؤدّي إلی إنجاز نُسَخٍ تُعلن تبعيتها للنّص المصدر ... والثانية ... لا يمکن أن تکونَ إلّا إنتاجاً لعمل آخر؛ أي لنصٍ مستقل له نفس الوضع الاعتباري. ليس الأساسي في هذه الحالة، هو استنساخ الأصل، بل هو إنتاج أصل جديد يحلّ محلّه» (إسرائيل، ۳ – ۴).

فعلی هذا، علی مترجم الشعر، أي "الشاعر- المترجِم" أن يمرَّ بمرحلتين:

المرحلة الأولي: الترجمة اللفظية:

إنّ المترجم بعد ما يقرأ النصّ برمّته ويعي معانيه، عليه أن يترجمه حرفيا ولفظيا حتّی يستيقن أنّه فهم النص الشعري بدقة وکمال. وبعبارة أخری، عليه أن يکوّنَ علاقةً مع النص وأن ينقل فهمه من النص إلی لغة الهدف لفظا إزاء لفظ. وبالطبع أن تکون لهذه الترجمة اللفظية، نفس المقدمات التي لا بدَّ وأن تتواجد لدی کلّ المترجمين؛ وهي المعرفة الشاملة والکاملة بالسّياقات التاريخية، والجغرافية،، والسوسیولوجیة، والفکرية، والسیکولوجیة للمفردات، واللغوية، والثقافية للغة المصدر والهدف. کما عليه أن يراجع القواميس اللغوية المعتبرة لکشف ألغاز النص وفتح رموزه وإبهاماته وتلاعباته باللسان، والتطّلع علی آفاق خيال الشاعر من خلال دراسته لها وللمدرسة التي ينتمي إليها.

إنّ عدم مراجعة المعاجم اللغوية، يسبب أخطاء نذکر نماذج منها:

يقول أحد شعراء تونس:

«أطفالنا أکثرنا بطولة

يا ليتنا لن نبرحَ الطفولة

تنبثق الأحجار من أکفّهم قنابلا

ونحن خلفَ الستور نختبي ...» (ظل التين، ۱).

فظنّ المترجم الفارسي أنّ "ستور" هي الدّابة، علی شکها في الفارسية، فترجم العبارة الأخيرة:

«و ما

پشتِ چارپايان، پنهان مي شويم ...» (المصدر نفسه)

فأين السّتور والسّتار والسّتر من الدّواب!

وهذا مثال آخر، لعدم استشارة القواميس، والإعتماد الباتّ علی فهم المفردة والنص دون الإکتراث إلی المعاجم، ومن ثَمَّ الوقوع في الأخطاء الجِسام:

يقول الشاعر الفارسي:

«اي کاش دنده¬ی اخلاصمان نمي شکست» (باقري ومحمدي نيکو، ۳۱۱). ويترجم المترجِم العربي:

«ألا ليتَ أسنان إخلاصنا لم تنکسر» (باقري ومحمدي، ۳۱۱) «إنّ المترجم قد ترجم "دنده" إلی "أسنان"، فيبدو أنّ المشابهة اللفظية فيما بين "دندان" و"دنده" هي سبب وقوع الخطأ عند المترجم ... من الجدير ذکره هو أنّ لاستعمال "دنده" مع "شکستن" معنيين من الصّعب تمييزهما؛ فالمعنی الأوّل هو انکسار الضلع في الجسد الإنساني والمعنی الثاني هو انکسار جزء من السيارة" (رحيمي خويگاني، ۶۰).

ليس هناک من يدّعي بأنّ استشارة المعاجم والتعرّف علی المعنی الحرفي والمغزی العام للمراد يغني المترجم ويسمن النص بل «إنّ معرفة اللغة العامة شيء، وامتلاک معرفة خاصة بموضوع معين شيء آخر. يجب أن يمتلک المترجِم، بالإضافة إلی معرفته بلغتين أو أکثر تشترک في عملية الترجمة، اطلاعا شاملا بمادة الموضوع المعنية. ويجب أن يمتلک أيضا شيئا من الخلفية الثقافية التي يمتلکها المؤلف الذي ترجم منه؛ فالترجمة تعتمد علی أمور أکثر بکثير من المعرفة العلمية بلغتين» (بکّار، ۷۷).

المرحلة الثانية: إعادة الإنشاد والصياغة:

بعد ما قام المترجم بعملية المرحلة الأولي – والتي لم تکن لوحدها ناتجة المفعول عادةً - وترجم نص لغة المصدر حرفياً کما هي إلی اللغة الهدف، بنفس طريقة الإنشاد؛ الشعر التقليدي إلی شعر تقليدي والحرّ إلی مثيله الحرّ، والقصيدة المنثورة إلی مماثلتها في العربية، يأتي دور المرحلة الثانية وهو مرحلة "إعادة الإنشاد"، باعتبار أنّه مترجم وشاعر في آن، يجب أن يحافِظ علی الترجمة – وذلک عبر المرحلة الأولی - وأن يحافظ علی الشعر- وهو بالإنشاد المجدّد - حتّی يکتمل مشروع الترجمة. والمترجم، شاعر بفارق واحد، هو محدوديته في خلق التصاوير واستخدام المفردات أحيانا. والمترجم ههنا فنّان، يمتهن فنّ ترجمة الشعر فعليه أن ينشد شعرا باللغة المنقول اليها بواسطة الإيحاءات التي تهبه مفردات لغة المصدر وتصاويرها، ولذا أمست الترجمة مضافا إلی کونها عِلما، فنّاً منذ صيرورتها.

ففي الواقع، تلي مرحلة الترجمة اللفظية «مرحلة إعادة الصياغة، والتي ينبغي علی المترجم، أثناءها، بعد حصر المضمون والشکل، أن يعيد خلق الموضوع في شموليته؛ وهي عملية عاطفية أکثر منها عقلية، أدبية أکثر منها لسانية، تتطلّب منه حضوراً کلّياً کما تتطلّب منه، في الوقت ذاته، ذکاءه وحسّاسيته وموهبته بصفته کاتبا. کما علی المترجم أن يسعی جاداً، من خلال منهج حدسيّ أکثر منه تحليلياً، إلی الترجمة التي تحمل المعاني لا ترجمة الکلمات، بل کلاماً مبدعا، لا بل أنشودة» (إسرائيل، ۶)، «لأنّ ترجمة الشِّعر شأنها شأن کتابته؛ مؤسسة علی لحظة أولی سابقة، هي لحظة الإحساس بالنص الأصلي، وکذلک الإعجاب بالثقافة المغايرة واللغة المنقول عنها» (عامر، ۳).

ومما لا شک فيه، عندما يعثر هذا "الشاعر – المترجِم" علی تصوير شعري وخيال غير مأنوس في لغة المصدر لا يستوعب قارئ لغة الهدف معناه وفحواه، عليه- أي علی المترجِم - أن يعوِّض عن ذلک المشهد، بتصوير ملموس ومفهوم آخر، في لغة الهدف.

إنّ "زيره به کرمان بردن" (أخذُ الکمّون إلی کرمان) مَثَلٌ لا يفهم معناه العرب قاطبة – بالطبع ما داموا لم يتعرفوا علی الثقافة الفارسية وأنّ الکمون کثير المنبت في مدينة کرمان الإيرانية - کما أن هذا المثل الإنجليزي غير معروف لدی الإيراني "to carry coke to newcastle" )أخذ الفحم الحجري إلی نيوکاسل) فعلی المترجم حين نقله من اللغتين إلی العربية، أن يأتي بما يعادله وهو "أخذ الملح إلی البصرة " أو ما «يقابله في العربية: "کمستبضع التّمر إلی أهل هجر"، ونحوه قول المولّدين: "يحمل التّمر الی البصرة"» (زرکوب، ۲۰) لأنّ الترجمة اللفظية لا تفيد المخاطب هنا «بل هناک في کلّ ترجمة ساحة من الحرية، لا تُوفَّق الترجمةُ من دون تنفيذ هذه الحرية واستخدامها لصالح الترجمة» (فرشيدورد، ۷۹).

۵ - معرفة دقائق اللغة وقضية التلاعب بالمفردات:

دخل الشعر الحديث، وخاصة الفارسي منه، في قضية التشفير والتلاعب بالمفردات، وإن لم تکن هذه الأمور حديثة بالنسبة إليه، لکنّه تعمّق فيها، وتوغّل في متاهاتها أحيانا، فما بوسع مترجم الشعر أن يتخد من أسلوب تجاه هذا التشفير اللغوي؟ فلنضرب مثالاً:

أنشدت شاعرة إيرانية معاصرة، متلاعبة بمفردة "مرد" (الرَّجُل) حتّی تکسر شکوتَه وعلياءه، فقالت:

«آدم نبود، نشد

برداشته‌ام ميم اين مرد را

رد» (پرورش، ۱۰).

إنّها تعني من "آدم" آدمَ أبا البشر، مضافاً إلی أنّه "الإنسان" و"الرجل" في الفارسية، فعندما تحذف حرف الميم منه، يصبح "رد" أي راسب؛ إنّ الرجلَ عندها راسبٌ مذ کان، ولم يتمکن المترجم أن يتلاعب بمفردة "الرجل" العربية أو ما يعادلها في المعنی، کما فعلت الشاعرة، أو ينشد مثلاً:

"... حذفتُ همزة المرء

مُرّ"

لأنّ التشابه اللفظي بين "مرد" و" مرء" لا ينجِح الترجمة ههنا، وشتّان ما بين "مُرّ" و"ردّ" ( المردود والردّ هو الراسب عند الفرس). إنّ في مثل هذه المآزق والمزآلق لا بُدَّ من الإتيان بالهوامش والتعليقات أدنی الصفحة أو في ملحق الفصل أو الکتاب، حتّی لا يصبح النص المترجَم نثرا بسيطا خاليا من روح الشعر أو نظما فارغا من جوهر الخيال. وهذا الأخير، حل کثيراً بشعر الخيام في رباعيته التي دخلت فيها "چهره‌ی کهربا"

«ای هم¬نفسان مرا به مي قوت کنيد وين چهره ي کهربا چو ياقوت کنيد

چون مُرده شوم به مي بشوييد مرا وز چوب رزم تخته‌ ي تابوت کنيد

» (هدايت، ۳۶).

وترجمتها الحرفية هي ما يلي:

«أقيتوني الخمرة يا صحاب / وأحيلوا صفرة الخدين ياقوتا / وإذا متُ اغسلوني بالراح / ومن کرمها اصنعوا نعشي» ( بکّار، ۱۱۷).

وبعد ما ترجم "یوسف حسین بکّار" الشعر المنظوم نثراً قال: «تکمن مشکلة هذه الرباعية في معنی "چهره¬ ي کهربا" وهو "الوجه الأصفر الشاحب" ومن معاني "کهربا"- وهو المراد هنا - " مادة صمغية صفراء اللون شفافة" أما لفظة کهرباء المستعمَلة اليوم والمعرّبة عن الفارسية، فيقابلها في الفارسية لفظة "برق" العربية. کيف ترجم المترجمون الغربيون والعرب"چهره¬ ي کهربا" إذاً؟ فيتز جيرالد أهمل، کعادته في التصرف بالرباعيات، الشطر الذي فيه الإصطلاح، ولم يترجمه لا في الطبعة الأولی ولا في الطبعتين الرابعة والخامسة المنقَّحتين ... غير أنّ أحمد الصّافي النجفي وعبدالحق فاضل، وهما من أعرف المترجمين العرب باللغة الفارسية،لم يترجماه، بل أبقياه کما هو في اللغة الأم؛ لغة المصدر. يقول النجفي:

اجعلوا قوتي الطّلا، وأحيلوا

کهرباء الخدود للياقوتِ

ويقول عبدالحق:

يا خليليّ اجعلا قوتي ما عشت الحُميا

تجعلا "کهرب" هذا الوجه ياقوتا نقيا

إنّ ترک لفظة "کهربا" کما هي في الفارسية دون أن يشرح معناها- في الأقل - في الهامش غير صحيح؛ خشية أن يذهب ظنّ القارئ العربي إلی معناها في عربية اليوم، فهو لا يعرف أنّ معناها في الرباعية هو "الصفرة" أو "اللون الأصفر"» (المصدر نفسه، ۱۱۷- ۱۱۹).

۶ - اختيار أقرب اللغات زمانا وأقرب اللهجات:

لقد تکثّف استعمال المفردات العامية، بل النحو الفارسي المحکيّ في الکتابة والإنشاء الفارسي منذ "جمال زاده" إلی يومنا هذا، فدخلت لغة الشّعب في الرواية والشِّعر، حتی أصبحت لغة الشَّعب هي لغة المثقّف – لاسيّما في الأدب - کما کثُر استخدام المفردات المحلية لکلّ لغة ولهجة؛ من ترکية وعربية وکردية ووارية ولرية بختيارية وأصفهانية، واللهجة المتداولة حاليا في الرواية والقصص والشعر، هي اللهجة الطهرانية، قد انتشرت أکثر ما انتشرت، عبر دبلجة الأفلام الأجنبية إلی الفارسية، فأصبحت لهجة ايران برمّتها، إلّا من أدخل عن وعي أو دون وعي في الفارسية المکتوبة من لهجته.

وهذا الاختلاف والتشعّب في اللهجات نراه واضحا في العربية، فاللهجة المصرية تختلف عن العراقية، وهذه الأخيرة عن السودانية وهلمَّ جراً.

لقد استخدم نجيب محفوظ في قصة شهيرة له "خمارة القطّ الأسود" مفردةً لها تسمية أخری لدی غير المصريين من الناطقين بالعربية،لم يجدها المترجم الفارسي في المعاجم اللغوية: «يتنقّل القطّ الأسوَد من مائدة إلی مائدة وراء لباب الخبز وفتات "الطّعمية" والسّمک» (محفوظ، ۱۳۱) فترجمها مترجم إلی الفارسية: «پس¬مانده ي گوشت و ماهي» ( محفوظ، ۴۷)، ظناً منه أنّ الطّعمية هي فتات اللحم (گوشت) وليست "الفلافل" عند العراقيين والسوريين واللبنانيين والتي أمست من مفردات الإيرانيين ودخلت مائدة طعامهم وکلامهم.

وهناک الکثير من الشعراء الإيرانيين، أنشدوا قصائد بلغة الشعب العامية، فليس من الصحيح أن ينقلها المترجم العربي إلی اللغة الفصحی، بل عليه أن يترجمها بلغة شعبية من اللغات واللهجات العربية، قريبة – مهما أمکن - بنبراتها الصوتية مِن اللهجة الفارسية التي تمّ إنشاد القصيدة بها.

ليس بوسع أيّ مترجم أن يرسم الفضاء الحاکم علی نصٍّ ما، دونَ التعرّف الشامل (عبر الکتب والإعلام والتجربة المباشرة) لأنّ «الثقافة تحتوي علی کل مناهج الحياة وطرقها، من آداب وتقاليد واعتقادات وأُطر فکرية ودينية واجتماعية لقوم ما ... وهي مستولية علی جميع عناصر الحياة هذه، لا فکاک لها منها لأنّها متأصلة في لغة تلک القوم» (سهيلي، ۴۷).

۷ - التمهيد للترجمة:

إنّ من يمهِّد لترجمته وياتي بالأصول التي استخدمها والآراء التي تبنّاها في النقل، فهو في الحقیقة يعين القارئ والناقد في عملية القراءة والنقد. وعلی المترجم أن يتحدّث في هذه الديباجة، عن الشاعر وحياته، وعن المنهجية المتخَذة من قِبله کمترجم في مشروع الترجمة وأنواعها کما في الرسم البیاني:

«حرّة جداً الترجمة المنشودة القريبة من خليطة لفظية لفظية لفظية جداً

(ما يأملها المترجم) الترجمة المنشودة لا ثبات لها مع تعديلات

--l--------l----------l---------l-------l-------l-------l--

» (کبيري، ۱۹).

لاشک أنّ هناک أصولاً أخری علی مترجم الشعر أن يمتلکها، حتّی يکون فنّانا إلی جانب کونه عالِماً بموازين الترجمة وأساليبها، وتظهر عبقريتة کمترجم في نقل الضمائر من الفارسية إلی العربية لاختلاف اللغتين من حيث الجذور والنشأة والدّلالة وکثير من السِّمات الجوهرية لکلتا اللغتين.

کما لا بدَّ له أن لا يکشف عن أسرار قصيدة، ما دام منشدها الشاعر لم يقصد فکّ لغزها، بل مرّ في لغة المصدر عليها مرور الکرام فقد «لم يقُل الشاعر في القصيدة عادة کلَّ شيء، بل قد يکتفي الشاعر بتکوين العلاقة بين النص الشعري والمخاطب - القارئ أو المستمع - فيفسح المجال للمخاطب أن يشاطره في عملية الشعر والإلهام والخيال؛ بمعنی أنّ الشاعر يعتمد علی مخاطبه حتّی يکونا کلاهما مبدعي النص ... فهل علينا أن نقوم بفتح الشيفرات التي قام المؤلف بعقدها عن وعي؟» (باطني، ۱۰۸- ۱۰۹).

المراجع والمصادر:

أ - العربية:

*القران الکريم.

- ابن منظور، أبوالفضل جمال الدين محمّد بن مکرم الأفريقي المصري. لسان العرب. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. ۲۰۰۵م.

- ارشدي، سمیر. فکتور الکک؛ رسول العشق الصوفي. مجلة شیراز؛ نافذه علی الأدب الإیراني. ۱۳۹۰ه.ش.

- إسرائيل، فرتناتو. الترجمة الأدبية؛ تملّک النص. http://www.atida.org. ۱۹۹۱م.

- أنيس، ابراهيم وآخرون. المعجم الوسيط. الطبعة الخامسة. تهران: دفتر نشر فرهنگ اسلامي. ۱۳۷۴ه.ش.

- باقري، ساعد؛ محمدي ]نيکو[، محمدرضا. الشعر الفارسي المعاصر. ترجمة: علاء الدين محمد، منصور. المجلس الأعلی للثقافة. ۲۰۰۵م.

- بکّار، يوسف حسين. الترجمة الأدبية؛ إشکاليات ومزالق. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ۲۰۰۱م.

- الجاحظ، عمرو بن بحر. الحيوان. المجلّد الأوّل. القاهرة: ۱۳۲۳ه.ق.

- جبران، جبران خليل. المجموعة الکاملة لمؤلفات جبران خليل جبران (العربية). بيروت: دار الجيل. ۱۹۹۴م.

- الجواهري، محمدمهدي. ديوان الجواهري. المجلّد الأوّل. بيروت: الطبعة الثالثة. دار العودة. ۱۹۸۲م.

- رحيمي خويگاني، محمد. إشکالية تعريب الشعر الفارسي المعاصر (أعمال محمد عبدالمنعم ومحمد منصور نموذجاً). رسالة ماجستير. جامعة أصفهان. ۱۳۸۹ه.ش.

- زرکوب، منصوره. المثاقفة وحوار الحضارات في ظلّ الأمثال والحِکم. مجلة العلوم الإنسانية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. العدد ۱۴. ۲۰۰۷م.

- عامر، فتحي. خيانة النّص؛ مشکلة المترجِم الذي يجهل السياق الثقافي للمؤلِف. صحيفة البيان الإماراتية. ۲۰۰۰م.

- عباسي، حسين. من حواری الهاتفي مع زوجة سيروس طاهباز وابنه سياوش. ۱۳۸۲ه.ش.

- عباسي، حسين. من حواری مع أدونيس (أحمد سعيد، علي). طهران. ۱۳۸۴ه.ش.

- عبدالمنعم، محمد نورالدين.مختارات من الشعر الفارسی المعاصر. المجلس الأعلی للثقافة بمصر. ۲۰۰۳ م.

- الفاخوري، حنّا. الموجَز في الأدب العربي وتاريخه. المجلّد الأوّل. بيروت: دار الجيل. ۱۹۹۱م.

- فرّخزاد، فروغ. مختارات مِن ديوان شعر الأسيرة. ترجمة وتقديم: علي حيدر، خليل. مراجعة: نرجس کنجي وزبيدة علي أشکناني. الکويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. ۲۰۰۹م.

ب - الفارسية:

- أدونيس (أحمد سعيد، علي). لمس کردن روشنايي. ترجمة: کريم خاني، حميد. تهران: آهنگ ديگر. ۱۳۸۵ه.ش.

- آذرنوش، آذرتاش. چالش ميان فارسي و عربي؛ سده هاي نخست. تهران: نشر ني. ۱۳۸۵ه.ش.

- آربري، آرتور جان. ادبيات کلاسيک فارسي. ترجمة: آزاد، اسدالله. مشهد: مؤسسه‌ي چاپ و انتشارات آستان قدس رضوي. ۱۳۷۱ه.ش.

- اسوار، موسی. چکامه هاي متنبّي، ترجمه به انگليسي: آربري، اِي. جِي. تهران: انتشارات هرمس. ۱۳۸۴ه.ش.

- باقري، ساعد؛ محمدي نيکو، محمّدرضا. شعر امروز؛ پژوهشي مبتني بر مجموعه شعرهاي منتشر شده (۵۷ – ۶۹) و گزيده شعر شاعران امروز. تهران: چاپ دوم. انجمن شاعران ايران. ۱۳۸۹ه.ش.

- باطني، محمدرضا. نگاهي تازه به دستور زبان. چاپ دوازدهم. مؤسسه ي انتشارات آگاه. ۱۳۸۵ه.ش.

- پارسي پور، ايرج. خانلري و نقد ادبي. تهران: انتشارات سخن. ۱۳۸۷ه.ش.

- پرورش، منيره. فقط همين نيست. تهران: نشر ثالث. ۱۳۸۶ه.ش.

- پرين، لارنس‌. درباره ی شعر. ترجمة: ‌راکعي، فاطمه. تهران: انتشارات اطلاعات. ۱۳۸۳ه.ش.

- جبران، جبران خليل. برانگيخته. ترجمة: هشترودي، سيّدجواد. قم: دفتر نشر فرهنگ اسلامي. ۱۳۷۲ه.ش.

- جفري، آرتور. واژه هاي دخيل در قرآن مجيد. ترجمة: بدره اي، فريدون. مشهد: انتشارات توس. ۱۳۷۲ه.ش.

- حافظ شيرازي، خواجه محمد. منتخب غزليات حافظ. تهران: چاپ ششم: انتشارات فرهنگ سراي ميردشتي. ۱۳۸۳ه.ش.

- حريري، ناصر. درباره ي هنر و ادبيات؛ گفت و شنودي با أحمد شاملو. بابل: نشر آويشن و نشر گوهرزاد. ۱۳۷۷ه.ش.

- حسيني، صالح. نظري به ترجمه. تهران: انتشارات نيلوفر. ۱۳۷۵ه.ش.

- دامادي، سيّد محمّد. مضامين مشترک در أدب فارسي و عربي. تهران: انتشارات و چاپ دانشگاه تهران. ۱۳۷۱ه.ش.

- راباسا، گرگوري. اگر اين خيانت نباشد؛ ترجمه و امکانات آن. ترجمة: کوثري، عبدالله. مترجم. سال چهارم. شماره ي ۱۶.

- سهيلي، ابوالقاسم. ديدگاه هاي نقد ترجمه. ترجمه. سال چهارم. ۱۳۸۴ه.ش.

- شفيعي کدکني، محمّدرضا. صُوَر خيال در شعر فارسي؛ تحقيق انتقادي در تطوّر ايماژهاي شعر پارسي و سير نظريه ¬ي بلاغت در اسلام و ايران. تهران: چاپ ششم: مؤسسه ¬ي انتشارات آگاه. ۱۳۷۵ه.ش.

- صفوي، کورش. هفت گفتار درباره ی ترجمه. چاپ پنجم. تهران: نشر مرکز. ۱۳۸۲ه.ش.

- صلح جو، علي. گفتمان و ترجمه. تهران: نشر مرکز. ۱۳۷۷ه.ش.

- طاهباز، سيروس. تپّه ی آويشن (مجموعه شعر؛ شعر مقاومت در فلسطين اشغال شده). تهران: نشر فرهنگ گستر. ۱۳۸۰ه.ش.

- ظلّ التين، صادق. کودکانِ مقاومت. پگاه حوزه. شماره ۳۶. ۱۳۸۱ه.ش.

- فرشيدورد، خسرو. پيرامون ترجمه (مجموعه مقالات). تهران: سازمان چاپ و انتشارات وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامي. ۱۳۸۱ه.ش.

- فروزانفر، بديع الزمان. سخن و سخن وران. چاپ دوم. تهران: شرکت سهامي انتشارات خوارزمي. ۱۳۵۰ه.ش.

- کامشاد، حسن. مترجمان،خائنان؛ مته به خشخاش چند کتاب. تهران: نشر ني. ۱۳۸۶ه.ش.

- کبيري، قاسم. اصول و روش ترجمه. تهران: اهدا. ۱۳۷۴ه.ش.

- محمّدي، محمّد. فرهنگ ايراني پيش از اسلام و آثار آن در تمدّن اسلامي و ادبيات فارسي. مشهد: انتشارات توس. ۱۳۷۴ه.ش.

- محفوظ، نجيب. خواب. ترجمة: مرعشي پور، محمدرضا. تهران: فرهنگ و انديشه. ۱۳۷۷ه.ش.

- معين، محمّد. فرهنگ فارسي (متوسّط). چاپ دهم. تهران: مؤسسه ی انتشارات اميرکبير. ۱۳۷۵ه.ش.

- هدايت، صادق. مقدمه اي بر رباعيات خيام. تهران: نشر تاخ. ۱۳۷۷ه.ش.

کل الحقوق محفوظة لموقع ادبنا

TPL_KH_LANG_MOBILE_TOP TPL_KH_LANG_MOBILE_SWITCH_DESKTOP